1 oct. 2009

انفِصَال

أدارت نحوه وجهها. سألته بغنج وهي تتلوّى في الفراش، تماما كقطتها السوداء الكسولة:

- هل تحبني يا أميري العربي؟

فكر مرة أخرى في هذه التسمية التي طالما نهاها عن استعمالها. لقد رجاها مرات عديدة أن تناديه باسمه الخاص (عبد الرحمن) دون أن تنعته بأي وصف آخر. ابتسم وهو يفكر في داخله بأنها حقا عنيدة وصعبة المراس. فكر أيضا في سؤالها الذي لم يكن يسمعه للمرة الأولى، وربما لم تكن المرة الأخيرة. كانت نزاهته وكذلك إحساسه لا يسمحان له بجواب إيجابي، الجواب الذي كانت تتمناه بالتأكيد وتريد انتشاله بأي ثمن. "أن أكذب على امرأة! هذا أمر ليس من شِيَمي، إنه ضعف وانعدام شخصية"، هكذا كان يقول في نفسه بفخر واعتزاز. ثم إنه منذ بداية تلك العلاقة التي كان يعتبرها عابرة رغم قِدمها بسنتَين كان واضحا وصريحا معها بما فيه الكفاية. غير أنها لم تفقد الأمل وظلت تكرر نفس السؤال كلما أتاحت لها الفرصة ذلك.

تنحّى عنها بلطف وهمَّ بلباقته المعهودة أن يغير الموضوع. أمسكتْ بذراعه فجأة وسحبته نحوها بعنف حتى استلقى بقربها كما كان في السابق.

- لا تتهرب. أجبني، هل تحبني يا "أبْدُو"؟

استغرب "عبْدُه" لخشونتها المفاجئة. فكر لحظة خاطفة قبل أن يردد متلعثما:

- لا أدري بعد يا "مادلين"... أنا أُكِن إليك كثيرا من الـ... من الحنان والاحترام... و...

احمرَّ وجهها. من عينيها المليئتين بمزيج من الخيبة والغضب انطلقت سهامٌ تخترقه. كانت شفتاها ترتعشان بعصبية غير مألوفة وهما تحاولان نطق شيء ما. صرختْ فجأة بعد جهد:

- هيه! تحترمني؟ جميلٌ هذا! يا له من احترام غريب! تحترمني وتنكحني؟ هاه؟ أجب! أي احترام هذا؟ كُن شجاعا وقُل بأنك لا زلت مولعا بتلك القحبة التي هجرتك وتركتك كالكلب... تحبُّها هيّ وتحويني أنا! لا يا سيد "أبْدُو"... لا. إنني أرفض ذلك. لقد سئمت ذلك. سئمتُكَ أنت أيضا. لا أريد رؤيتك بعد الآن. هيّا! أخرج من بيتي! لا تعد أبدا! اِذهب إلى قحبتك...

حاول أن يهدئ من غليانها، ولكن ذلك لم يزدها إلا غضبا وانفعالا. ارتعدت فرائصه، وخشي في لحظة ما أن تؤذيه جسديًّا كأنْ تمتدَّ يدُها بصورة آلية إلى سكين أو شيء من هذا القبيل وتطعنه بدون شعور منها كما يحدث ذلك عادة في الأفلام أو في جرائم الحب التي كثيرا ما تتردد في الصحف وأخبار التليفزيون. أصيب بهلع حقيقي. ارتدى ملابسه كيفما اتفق وصفق الباب خلفه. وهو ينزل الدرج مهرولا ظل صوتها يطارده . كان صراخا هستيريا لم يشهده من قبل .

كانت الساعة تقارب منتصف الليل، وكانت سيارته تخوض الشوارع بسرعة نيزكية. لبث يضغط على دواسة البنزين كالْمُطارَد، ولم تمنعه الأضواء الحمراء الخاصة بتنظيم المرور عن التوقف احتراماً لقانون السير. كان يفكر فيها، في "مادلين" الوديعة التي تحولت من ملاك لطيف أشقر إلى "ميدوزا" عدوانية ومجنونة و... وتمثَّل عينيها المشتعلتين نارا. لقد تحوَّلتا فجأة إلى جمرتين حمراوين بعد أن كانتا زرقاوين كغدير في فصل الربيع. قبل قليل كانت نظرات تلك العينين تخترقه بازدراء وغضب، كانت تفتت جسد "الأمير العربي" وتحيله إلى مجرد امرئ جدير بالاحتقار، كانت تحيله إلى لا شيء، إلى عدم...

أطلقت بعض السيارات أبواقها فخمَّن أنها تعنيه. خفّف من السرعة وحاول أن يصبح أكثر هدوءا. ازورّ نحو الشمال ثم وجَّه السيارة عبر شارع "غاريبالدي". بعد لحظة توقَّف، أطفأ محرك وأضواء السيارة بسرعة البرق وعدا نحو البيت مستغنيا عن استعمال المِصعَد الكهربائي. تسلق السلم حتى الطابق الخامس لاهتاً. التجأ مباشرة إلى الحمّام، فتح الصنبور وأسلم رأسه بكامله إلى سيل الماء البارد. أحسَّ ببعض الانتعاش والراحة. جفّف وجهه و شَعَر رأسِه ثم صفّفه بعد أن أصبح أكثر هدوءا. أثار انتباهَه طيفٌ تحرَّك في المرآة التي غطَّاها بعض الضباب. ركز النظر جيدا، رآى نفْسَه أمام نفسِه. قال له ضِعفه مؤاخذا:

- برافو! لعلك الآن فخور بنفسك أيها الجبان ؟

قام "عبده" بحركة لامبالاة وتبرُّم وهو يغض الطرف عن مُخاطِبه. حاول الانسحاب ولكن هذا الأخير استوقفه باستفزاز. صرخ "عبده":

- كُف عن محاصرتي أرجوك! أنا لست جبانا، إن سلوكها الغريب فاجأني، هذا كل ما في الأمر .

- لماذا لم تقل لها كل شيء إذاً؟

- سأفعل ذلك في المرة القادمة.

قهقه الوجه في المرآة ساخرا مستهزئا ثم قال:

- لا يا صاحبي، لن تكون هناك مرة قادمة. أنا أيضا لم أعد أصدقك. لطالما عاهدتني بأن تكُون أنتَ، بأن تكُون نفسَك، أيْ أنا، ولكنك لا زلت تماطل. يجب أن تعرف...

قاطعه "عبده" غاضبا:

- لا أريد أن أعرف شيئا. قل لي أنت ما العمل وخلِّصني. أنا متعب وأريد أن أنام. هذا كل ما أتمناه الآن.

- لقد منحتك من الحرية أكثر مما تستحق. تسألني ما العمل؟ تعالَ إليّ كي أشرح لك الأمر. أُدخل، أُدخل...

تناول "عبده" علبة الأقراص المنومة مصمما العزم على ألا يستيقظ إلا في منتصف نهار الغد. ابتلع قرصين دفعة واحدة، وما هي إلا لحظات حتى غط في سبات عميق.

لم يزره حلم ولا كابوس خلال تلك الليلة. غير أنه ذات لحظة أحس بطنين مزعج يطرق أذنيه. تململ في الفراش محاولا تجاهل الأمر ولكن دون جدوى. ذبت علامات الصحو في جسده رغماً عنه. فرك عينيه وهو يمعن النظر في الساعة الحائطية التي كانت تشير إلى الخامسة والنصف صباحا. توالى الطنين الذي أخذ بالتدريج يتحول إلى رنين جرس الباب. استجمع أطرافَه متعثرا واتجه نحو هذا الأخير. سمع صوت أنثى تستعطف: "أبْدو"! أنا "مادلين". اِفتح لي من فضلك. أعرف أنك هناك...

فتح الباب مترددا وهو يستغرب أمر هذه الزائرة التي لا يعني له اسمها شيئا. وجد نفسه أمام قَدٍّ متوسط الطول صاحبته شقراء وسيمة تقارب سن الأربعين. أمعن النظر في وجهها وشدته عيناها الزرقاوين كغدير في فصل الربيع. كانت جميلة بالرغم مما بدا عليها من شحوب وعلامات الإرهاق التي كانت توحي بأن هذه المرأة لم تذق طعم النوم طوال الليل. بادرته بصوت مليء بالاستجداء:

- سامحني يا أميري العربي. لقد فقدت أعصابي البارحة. أنا أحبك، هل تعلم ذلك؟ دعني أدخل .

كان "عبده" فريسة للحيرة والتساؤلات. خيل إليه لحظة أنه كان يحلم، ولكن صوتها المستعطف أعاده إلى أرض الواقع. تمتم أخيرا في محاولة توضيح اللُّبس:

- أنا آسف يا مَدام. أنا لا أعرف من تكونين. يبدو أنك أخطأت العنوان و...

قاطعته بصوت عال:

- "أبْدو"! لا تلعب معي هذه اللعبة القذرة. لقد أسأتُ إليك حقا و ها قد أتيت أعتذر. ماذا تريد أكثر من هذا؟

كانت تضم بين ذراعيها قطتها السوداء الخاملة مداعبة إياها برقة وحنان وكأنها تداعب طفلا رضيعا. وكانت القطة العجوز المدللة تموء بتلذذ وكأنها تطلب المزيد من العناية. قالت "مادلين":

- اُنظر إلى "ميمي" يا "أبْدو"، إنها تستعطفك هي الأخرى. دعنا ندخل.

تأفف "عبده" وحاول أن يكون أكثر وضوحا:

- سيدتي، أنا لا أعرفك ولا أعرف "ميمي". ثم إن اسمي "عبْدُ الرحمن" وليس "أبْدو".

غرزتْ فيه نظرات استنكار واستغراب. سادت لحظة صمت قبل أن تسأله فيما يشبه الظفر متخذة هيأةَ مَن نصب لغريمه العنيد كميناً وظل ينتظر وقوعه المُؤكَّد فيه. قالت وابتسامة ماكرة لا تفارق شفتيها الجافّتين:

- حسناً، إذا لم تكُن "أبْدُو" فأين هو إذاً؟

ردّ ببرودة كمن يسرد خبرا بديهيا:

- هناك في الحمّام. لقد ابتلعته المرآة.

- هل جُننت؟ أي مرآة؟

حاول أن يوصد الباب ولكنها حالت دون ذلك. صرخت في وجهه محتجّة:

- "أبْدو"! يبدو أنك تناولت مخدِّرا هذه الليلة، أو أنّك قرأتَ أحد تلك الكتب التي تفسد دماغك، لقد حذّرتُك من ذلك مرارا! كُفّ عن التصرف كالحمار و دعني أدخل!

- سيدتي، اِعلمي أنْ لا علاقة لي بالكتب وعقلي سليم... اطمئني. مع السلامة.

كاليائس من حالتها المستعصية صبّ عليها نظرات باردة خالية من أي إحساس.

حدجته بنظرات ثاقبة، غاصت عيناها الزرقاوان في وجهه المتصلب كالثلج. لم تجد فيه ملامح أميرها العربي. كانت أمام شخص آخر... سيل من الأفكار انجرَف في رأسها وهي تتراجع إلى الخلف كالمذعورة...

انغلَق الباب. ساد صمتٌ. وغط الأمير العربيُّ في سبات عميق.

7 sept. 2009

Fragments d'une mémoire enfiévrée


I

La fièvre l'inonde. Ses interrogations se multiplient en cascade. Les murs implacables se serrent et le traquent davantage. Une lucarne minuscule, carrée, laisse pénétrer l'écho en prove­nance du monde des vivants. A travers les petites barres d'acier s'infiltrent de la lumière et les grondements de l'océan. Il s'accroche aux barreaux, s'étire et tente de se pencher vers l'extérieur. Ses yeux caressent l'horizon lointain. Les vagues s'entrechoquent violemment et viennent s'échouer contre les murs de la citadelle. Des gouttes d'eau salée se glissent à travers la petite fe­nêtre de la cellule et l'arrosent de leur fraîcheur. Au loin, ses yeux enlacent la ville qui paraît calme et paisible. Rien ne se passe. Rien ne s'est passé. Néant. Vide. Abîme.
Il hurle avec hystérie. Obsession. Obstination.
La ville est dans sa mémoire. Sa mémoire est dans sa ville.
Dans sa tête, d'autres remparts s'élèvent. Il se souvient ou presque. Juste des images colo­rées de brouillard. Nébuleuses visions. Le carrefour des sept chemins. La ville grandit en face de lui. Flammes. Âtre, empli de braises, devient sa tête qui bouillonne. Tourbillon. L'étouffement jonche sa poitrine, serre sa gorge. Souvenir. Souvenance. Images cuisantes. Il crame.
« Que s'éteigne ce brasier qui ravage mes circonvolutions, ces étincelles qui me transpercent tels des météores imprévisibles ! Que cessent ces appels obsessionnels qui persistent dans leur obstination, me martèlent et me bannissent hors de Moi ! ».

II

Danse échevelée. Flammes haletantes. Celles de la tentation, du désir qui m'habite en ce moment. Tout me dit: "Sors ! Quitte ce corps et dépense-toi dans ceux des autres. Deviens-les ! Tu seras ainsi Un et Divers ».
Dans son errance, mon corps s'éparpille. Il s'effrite dans tous les espaces, dans les yeux de tous les bien-aimés qui foncent, reculent, se ruent et s'enchevêtrent à travers les quatre coins de la terre.
Je m'abandonne.
En deux je suis divisé.
Laquelle de tes moitiés dois-je sacrer, ô mon corps ? A qui de tes deux parties ferai-je allégeance ?
Quand l'une m'entraîne, j'obéis, j'erre. L'autre me retire alors vers elle.
Essoufflé, je mets pied à terre...
Je pars et m'éloigne.
M'éloigne.

III

Telle une toile d'araignée sont les chemins que tracent les pieds de ces cadavres qui mar­chent. Quant à moi, je suis un et divers. Je suis un corps qui, tissé de fils des ténèbres, à bout de souffle, court dans les veines de la ville. Nu. Dépourvu de tout sauf de l'obsession démesurée, du désir de me dissoudre pour me ressusciter ailleurs, dans un autre corps que celui qui me porte.
Il court, mon porteur, pilant l'asphalte des rues. Inopinée, l'envie de crier le traverse en bo­lide.
Hurle, hurle donc ô mon corps ! Ô petit Moi ! Ô vous !... Cours et ne t'arrête jamais.
Les cadavres qui marchent s'arrêtent, affluent par troupes. Bouches bées, oreilles béantes. Curiosité. Affection. Réjouissance.
Haletant, rétif, fuyant, mon corps s'érige avec toute sa grandeur dans le carrefour des sept chemins. Il contre les injures par les injures. Il pisse son pus face aux gueules concaves qui sem­blent des tenailles géantes, des maxillaires en acier qui, en rythme saccadé, s'ouvrent et se refer­ment en un mouvement éternel. Il éjecte haut, haut et fort, son jus chaud et salé. (A la vue du phallus, des adolescentes tombent dans les pommes. Les yeux de quelques jeunes veuves, de quelques femelles fraîchement répudiées, luisent d'un étrange éclat. Des caméras éjectent leurs flashes étincelants...). Il brandit son membre tuméfié, mais sereinement dressé tel un émir d'orient, face à l'assistance, comme s'il propulsait le plus loin possible sa colère intérieure. Il éructe et éjecte le suc de sa vie.
Tiens, ennemi ! Prends ça, canaille, fils de canaille ! Désormais, nulle clémence, nul pardon. Assez ! Oui, c'est mon affaire et rien ne regarde personne. Prends, prends fils de p...

IV

En avant !
Multiplie-toi en hâte !
Sors hors de moi et va !
Ordonner ce désordre dans ma mémoire n'est point mon désir. Éloigne-toi donc ! Voici la rue qui écarte, grandes, béantes, ses jambes et ses cuisses face à ton visage oint de folie et de sa­gesse. Ne t'adoucis guère, car au nom de toutes les tristesses qui hibernent dans nos yeux, j'ai juré que tu fonces hors de l'oubli, hors des trépas. Va donc t'évanouir dans ces visages emplis de cha­grins, dans ces bras laborieux, fragiles et vermoulus de tes bien-aimés. Fais vite ! Hâte-toi, mon corps maudit ! N'aie guère de répit, car au nom de toutes les promesses qui sourdent dans les yeux des enfants, j'ai juré de te piler au dernier nerf, si bien que seul le songe prometteur demeure.
Vas, car pour toi, je ne suis rien d'autre qu'une passerelle.
Rien qu'une passerelle.

V

Maudits soient-ils !
Que ma malédiction impitoyable les emporte ! Ce sont donc eux les aliénés, les égarés du droit chemin.
Vois !
Regarde, ô mon visage ! Ô mon corps ! Regarde comment ils rehaussent leurs tronches de masques et s'ornent d'oripeaux !
Tu es le seul raisonnable, visage désert !
Eux seuls sont les possédés.
Toi seul...
Silence ! Car les oreilles bourrées de bitumes s'étendent tels des radars, volent tes paroles et te guettent. Tais-toi maintenant ! Feuillette tes tréfonds qui bouillonnent ! Creuse dans tes yeux les reliefs du périple dont tu as à parcourir les labyrinthes. Longue, longue sera la traversée sans doute. Il faut donc que tu te calmes, que tu te recroquevilles. Bien. Réfléchis à présent ! Qu'entends-tu faire ?
— Te refaire ô mon corps fragmenté !
— Assez de lubies et dis ce que tu feras ! Le premier pas ?
— De nombreux "premiers pas" sont en vue, maître.
— Réfléchis donc ! Il faut que tu en élises un. Un et seulement un. Bannis le reste. Tu n'as pas à sacrer quiconque t'expose sa camelote bourrée d'éloges et de tentations. Sors maintenant ! Il faut que tu quittes ce lieu.
— La rue ?
— Oui la rue. Pars à sa rencontre, car elle ne te parvient pas. Rejoins-la, calmement, lente­ment. Non. Ne leur prête pas d'intérêt. Ils sont malades et telles sont leurs manières. Seul tu es sain et raisonnable. Va donc sans peine. Pense à toi d'abord !
— Le premier pas ?
— Aussitôt tu en trouveras un. Cette étanchéité et ce vaste espace sans doute t'aideront-ils à réfléchir et à prendre les bonnes décisions.
— Chuuut ! Je l'ai trouvée, mon idée !
— Parfait. Saisis-la fermement. Ne la laisse pas s'évanouir. Allons ! Mets-toi en pratique à travers les premiers pas.
(La chaleur fait fondre ma chair. Elle s'effrite, s'éparpille. Je sors de ma carapace. Je la quitte. Ces draps qui me collent nuisent aux mouvements de mon corps et empêchent mes bribes de voyager). Déchirez-vous, ô rudes toiles de mon suaire ! Dispersez-vous sous forme de fines la­melles...
Je n'ai plus qu'à rire aux éclats maintenant. Ha... Ha... Ha... Hi... Hi... Hi...
Les bouts de mes vêtements s'envolent avec le vent. Rien ne m'est plus nuisible. Libre, libre. Je suis libre. Je suis dans un autre corps. Nu, il avance. Moi, je ne suis pas nu. Ce sont eux les dénudés, les va-nu-pieds, les...
Non. Je suis vêtu et je me mets en pratique. Je me concrétise. Je suis... Le second pas maintenant ?
— Réfléchis ! Pense !
— Des tas d'idées s'entassent en moi.
— Peu importe. Garde tes nerfs. Prends-en une calmement et repousse le reste. Mais si, tu pourras ! Tu dois pouvoir. N'essaie pas de les exécuter toutes, en une seule fois. Si tu le faisais, ce serait l'heure de ton déclin. Ils diront alors que tu es fou à lier. Préserve donc ta raison et ta sagesse.
(Les passants me nuisent. Les plus jeunes me jettent des pierres. Ils ne m'épargnent guère le loisir de penser. L'envie de hurler me reprend. L'envie de maudire, de médire, de m'agiter... Il faut que je trouve immédiatement et sans tarder une langue adéquate pour dépenser mes énergies nais­santes. Je hurle. La rue s'enroule à travers moi. J'y roule. Je plane au-dessus de toute la ville en un seul laps de temps. Les curieux me provoquent. Ils ont perdu la raison. Possédés. Dingues. Canailles. Que ma malédiction impitoyable les couvre ! Fils de p...).

VI

Nous soussignés, notables de la ville, hommes, femmes et enfants, dénonçons solennellement et condamnons avec force et sans répit le comportement innommable et inconcevable du dénommé Hamdan.
Vu que ce personnage représente un fardeau et un réel danger pour notre cité,
Vu l'insolence qui le mène, sans honte ni pudeur, à exhiber les parties les plus fétides de son corps face à nos chastes et vertueuses épouses et filles,
Vu ses parcours de tapageur sillonnant les lieux, balançant dans tous les sens les pièces que nous lui donnons en guise d'aumône, tenant partout le plus obscène des langages, ce qui ne peut qu'influer sur nos valeurs et traditions sacrées,
Vu que le susnommé représente de ce fait une source de perturbation à l'encontre des hon­nêtes gens, à savoir dans les places publiques, dans les petites ou grandes surfaces, dans les de­meures ouvertes ou closes, dans les tavernes ou les lieux de cultes etc., ce qui souille la réputation de notre cité,
Bref, vu que la coupe est non seulement pleine, mais elle déborde, nous revendiquons l'internement immédiat de cet individu pervers, ainsi que son éloignement définitif et sans appel de notre ville bénite.


Suivent X signatures,
Lieu et date.

VII

Les mugissements de la mer transpercent le mur de la cellule en quête de ma rencontre. Personne d'autre que moi ne peut percevoir la langage de la mer. Elle-même me reconnaît cela et persiste à me parler. Cependant, j'ai décidé de la boycotter, elle aussi.
Toutes les choses ici sont superflues et sans fondement. Même cette cellule fragile qui tient à peine debout. Ou alors, pourquoi se sont-ils bien assurés de la cadenasser tandis que je suis de­dans ? Tout est futile. Rien n'est vrai. La rue, ceux qui m'avaient pris en tenaille. Tout ! Tous !... Fils de p...
Ils étaient armés de matraques, de massettes et de bottes solides. J'ai vu suinter leurs fronts, leurs côtes, leurs bras, leurs culs... alors qu'ils s'acharnaient contre moi, me ruant de coups, m'écrasant tel un épi dans leur fourgonnette de malheur. Ils ont couvert le corps que j'habite d'un linceul blanc éclatant. Dans la foulée, l'un d'eux, que ma malédiction l'emporte, m'a dit : "Toi, tu fais le fou ! Mais nous allons déjouer ta vieille comédie". J'ai craché sur sa figure pour le saluer à ma manière, mais ses salutations étaient meilleures. J'ai compris alors quel véritable homme il était. Mâle, vi­rile, fort convaincu de ses choses personnelles. Il n'avait sans doute pas tort de se conduire de cette façon. Par conséquent, je me suis avancé vers lui, avec toute objectivité et abnégation, baisant tantôt ses mains, tantôt sa tête, tantôt son... jusqu'au moment où, inopinément, un poing rigide qui n'était pas le mien, mais c'est de moi qu'il s'était détaché, est allé s'écraser contre ses dents et leurs environs.
De nouveau, ils se sont acharnés contre moi. Coups de bottes. Gifles cuisantes. Matraques...
J'ai vu suinter, encore une fois, leurs faces et leurs revers. J'ai ri, comme un fou, de leur idiotie. J'en ai tellement ri que mes larmes ont coulé. Ils ne savaient pas que ce corps n'était pas le mien. Ils ignoraient qu'il n'était qu'un outil, un récipient vide et rien d'autre.
Rien d'autre.

VIII

Mon petit Moi me manque. Je me manque. J’ai envie de me retrouver. Où me retrouver ? Où Je dois être et où est Moi ?
Malheureux Être que je suis !

Il faut à présent que je proclame mon exode.
Ma présence ici est de trop. Vaine.
Ici, je me sens traqué et inutile.
Je dois partir.
Il faut…
Je pars.
_______________
PS:
Ce texte a été publié dans "أصوات في الجسد" « Asswat fi al Jasad, Des Voix dans le Corps », recueil de nouvelles en arabe, 1ère Ed. 1998, Dar al Qaraouines, Casablanca.
Traduit de l'Arabe par l’auteur, texte original à paraître dans cette même tribune, rubrique « قصص/نصوص».

7 juil. 2009

Mourir à Casablanca

Entre nous règne une sorte d’amour, vieux comme le temps, frais comme la rosée de l’aube. Un amour qui ne cesse de prendre de l’âge sans cesser de rajeunir. Un amour, je dois le reconnaître, semblable, par dessus tout, à une relation sadomasochiste multidimensionnelle.
Entre nous, c’est ce que, du moins, nous imaginons, elle et moi, il y a cette union inoxydable où se mêlent, en même temps, une tendresse inébranlable et une agressivité mutuelle intentionnelle. Une agressivité factice et feinte certes, mais douloureuse et profonde aussi.
Notre relation est faite de rencontres et de départs, d’attractions et d’auto isolement, de passion et de lassitude. Elle est guerre et paix, conflits et apaisements, espérance et désespoir.
Pourtant, malgré tout ce qui nous arrive, rien ne change. Ensemble nous sommes, et ensemble nous demeurons. Il nous arrive parfois d’avoir des désaccords, mais nous ne nous séparons guère. Nous nous éloignons l’un de l’autre, mais, quand l’un d’entre nous le désire, nous nous retrouvons sans délai.
Je suis conscient aussi que Casablanca m’éprouve un ressentiment étrange dont j’ignore ou presque la raison. Parallèlement, en retour, je lui dédie une rancune légitime, quelques courroux et des reproches justifiées, sans, toutefois, transgresser, de la sorte, les règles non déclarées qui régissent notre union.
L’histoire de notre relation est objet de controverses. Une histoire qui, elle-même, de par le passé, le présent et même le futur, justifie ce que j’avance et prétends. Elle justifie cet amour qui en reste un, malgré tout. Cet amour où nous nous pratiquons au gré de mon humeur et selon le tempérament de ma ville aimée.
Cette relation pleine de contradictions s’étend dans une dimension temporelle qui, lorsque ma bien-aimée Casablanca le veut bien et quand je le désire, moi, prend une forme aux reliefs démesurés. Surtout au moment où nous nous retrouvons, après une longue ou une brève séparation.
Pour que la rencontre soit, la capitale économique de ce Maroc cruel tambourine dans ma tête et claironne, m’incitant, d’une voix implorante, exhalant l’amour et la tendresse, à la rejoindre au plus vite.
Quand je suis loin d’elle, hors de sa portée, elle remue ciel et terre et, comme sous l’emprise d’une lubie enfantine, elle me supplie de revenir sans tarder, hurlant que je lui manque et qu’elle n’en peut plus de cette vie qui ne ressemble à rien. Pendant ce temps-là elle ne cesse de gémir et me dire toute la douleur que lui inflige la séparation et de me faire entendre les affres du désir qui la consument en mon absence. Alors, à quatre pattes, haletant sans être essoufflé, je pars à sa rencontre, avec l’envie ravageante de l’étreindre, de me fondre en elle.
Au début elle m’accueille bras ouverts, me prend dans son giron, m’invite dans ses boîtes nocturnes et ses tavernes diurnes, m’offrant mille pots et calices. Parfois elle me tend son sein gauche et m’allaite de son lait qui a la saveur de ma bière préférée, made in Morocco. Je tète alors son suc jusqu’à l’ivresse, avant de voyager dans les détails de son corps qui sent l’odeur du Maroc profond. J’entre en elle pendant des nuits blanches qui s’éternisent. Je la hante. Profondément. Jusqu’à… la devenir... Nous devenons un.
Mais voilà que, une fois la joie du retour et la fête terminées, elle ne tarde pas à m’endolorir tout en se délectant, semblable ainsi à une vieille épouse qui aime à se venger. Aveuglement. Comme si je l’avais trompée ou lui avais fait un quelconque tort à mon insu !
S’annonce donc l’heure de la retrouvaille. Nous nous enlaçons pendant des jours et des nuits. Et nous nous fondons l’un dans l’autre jusqu’à ne devenir qu’un. L’incandescence de la rencontre est à son paroxysme au départ. Jour après jour elle prend un rythme plus apaisé, et, petit à petit, la vie devient de plus en plus monotone, semblable au quotidien d’un vieux couple en proie à l’ennui. C’est alors que Casablanca sort sadiquement ses griffes au rouge nacré et se met à me faire mal avec son amour igné, ses soupçons infondés, ses doutes que rien ne justifie et ses caprices foisonnants et insensés.
C’est une chose quand nous sommes ensemble, et c’en est une autre quand des milliers de kilomètres s’étendent entre nous et nous éloignent. Ces conditions de vie, justement, qui dépassent notre volonté, la mienne en tout cas, il me semble que Casablanca ne les a pas suffisamment digérées. Ainsi s’est-elle imaginé, toute seule, qu’un jour de ce début des années quatre-vingt du siècle écoulé, je m’étais extirpé volontairement d’elle, en cachette, au milieu de la nuit, l’abandonnant, pour me retrouver dans les bras de la ville blonde, Lyon, l’autre aimée, qui m’offrit l’hospitalité et m’accorda l’exil.
Peut-être a-t-elle le sentiment d’une délaissée que, après m’avoir tant aimé, j’ai reniée et rejetée comme une vieille épave. C’est la raison pour laquelle elle ne cesse maintenant d’osciller entre m’aimer et me haïr.
Peut-être.
Peut-être a-t-elle raison, ma bien-aimée.
Cependant, en ce qui me concerne au moins, je n’ai pas le moindre souvenir de l’avoir trahie ou délaissée. L’histoire, à mon sens, est tout autre, et un jour l’aimée comprendra.

Cette ville, amante, amie et mère, ne m’a pas mis au monde, mais elle m’a volontairement adopté, voici des lustres.
Notre première rencontre « physique » remonte aux premières années de l’enfant que j’étais, non loin d’elle, à quelque trentaine de kilomètres, sur la route d’al-Jadida.........................................


...............................................................................................................................................................................







.........à suivre







طَيْفُ أُورِيلْيا


كنتُ وراء الشُّبّاك متهالكا على مقعدي أتصفّح كيفما اتفق صفحات مجلة قديمة. وبين الفينة والأخرى كنت أُوجِّه الوافدين وروادَ المكان نحو القاعات التي يزمعون إقامة أنشطتهم فيها أو للمشاركة في أنشطة أخرى بدأتْ قبل مجيئهم ببعض الوقت.


كانت وظيفتي في "دار الجميع" العمومية تنحصر في الاستقبال والتوجيه والرد على المكالمات الهاتفية ابتداء من الساعة الرابعة بعد الزوال حتى منتصف الليل. وكانت المؤسسة البلدية توجد في حيٍّ بضاحية المدينة يعود بناؤه إلى سنوات الستينات بعد التسع مائة وألف. كان يأوي طبقةً اجتماعية اختلفت أعراقها ومشاربها ومآربها المتواضعة أو الفقيرة. لذلك كان أغلب "زبنائي" من العجزة والعاطلين عن العمل أو الذين هم في حالة اجتماعية خاصة كالفئات التي تعيش على المساعدات التي تقدمها لها مؤسسات الدولة، إضافة إلى المعاقين وبعض المعطوبين في أجسادهم وأدمغتهم...


ثم جاء يومٌ ومعه الاستثناء الذي كسَّر القاعدة!


حصل ذلك حين لفح وجهي عطرٌ كاسح ملأ الأرجاء فجأة فرفعت بصري لكي أتبين مصدره. تجمَّدت عيناي على قوام امرأة في الثلاثين. كان عبيرها يسبقها وهي تتجه نحوي في الجهة الأخرى من شُبّاك الإرشادات. كان صوتها رقيقا دافئا كحلم جميل، كان العذوبةَ نفسَها وهي تستفسرني عن القاعة رقم أربعين حيث تُعطى دروس إضافية لتلامذة التعليم الأساسي، وكانت دروسا تُنظّم كل أسبوع يتكلف بها طلبةٌ جامعيون ومُدرِّسون كلهم متطوِّعون.


وجّهتُها نحو القاعة المذكورة بطريقة آلية وأنا أتلعثم على غير العادة. خلال نفس تلك البرهة الخاطفة -لسوء حظِّي!- كانت عيناي تغوصان في عمق عينيها الخضراوين. من هاتين الأخيرتين كان يشعُّ وميضٌ خلاب ينير باقي تفاصيل الوجه البضِّ. عانق بصري شعرَها الذهبي المقصوص. ارتبكتُ لحظة. سمعتها تشكرني وهي تتوجّه إلى حيث أشرت عليها. ذهبتْ وتركت لي طيبها الفتَّاك وصورة وجهها ذي التقاسيم المرسومة بحكمة وإتقان. سلّطتُ عليها نظراتي وهي تتسلّق السُّلم كغزالة نحو الطابق الأول للمؤسسة. توقفَت عيناي ملِيّا عند ردفيْها السّخيّين الباسمين... ثم انتقلتا إلى ما جاور ذلك.


كانت في مشيتها وكأنها ترقص. وكان جسدها جسداً لا يغضُّ الطّرْفَ عنه إلا أبلَهٌ أو معتُوه! كان قواماً طويلا منحوتا، كلُّ شيء فيه قُدَّ بعناية فائقة، كلُّ شيء فيه يلتزم مكانَه الخاصّ به دون زيادة أو نقصان!


هكذا كَان!


تداعيتُ على المقعد وبتُّ طُعما سائغا للخيالات والتساؤلات. وطفقت أنتظر بشغف غير معهود انتهاء حصة الدروس الإضافية في القاعة رقم أربعين. ومع أن الأمر كان يتعلق بساعتين فقط فقد طال انتظاري وطال غيابها، وبتُّ أخطو هنا وهناك تفاديا للضيق والضجر.


ثمّ حانت الساعة. رأيتها تغادر "دار الجميع" يحيط بها أطفال نزِقون مثقلون بمحفظاتهم. كانت تجيب عن أسئلة بعضِهم بصبر وأناة مبتسمة برقة وعذوبة. غادرتُ مكتب الاستقبال والإرشادات وأخذتُ أخطو في الساحة متظاهرا باللامبالاة وأنا أغرز فيها نظراتي خلسة. ظللت أراقبها رغما عني حتى أصبحت خارج المؤسسة وتوارت عن الأنظار.


عدتُ إلى المكتب مثقل الخطوات ساهما شاردا وفي داخلي توطَّدَ عزمٌ لم أتخذْه طواعيَّة: أن أَعرِف تلك المرأةَ عن قُرب! أن أذوقَ طَعمَها إنْ عاجلا أو آجلا! لا بُدّ.


ولكن كيف؟


سألتُ نفسي هذا السؤال وقد ارتسمتْ من جديد في ذهني صورة "لطيفة" زوجتي التي تخيَّلتُها ترميني بنظرات لوم وعتاب وكأنها وجدتني في حالة تلَبُّس قصوى. ومع ذلك... مع ذلك لم يتغيَّر من العزم أيّ شيء!


"يا لك من خائن يا...!".


هكذا قلت مؤاخذاً نفسي وأنا في طريق العودة إلى البيت.


خلال المسافة التي تفصل هذا الأخير عن مقَرّ عملي كان عطرٌ فتّاك يملأ السيارة، وكان يرافقني طيف امرأة أخذت مكانها على يميني. كانت تنضح طيبا وتشع حُسنا. كانت صامتة، وكنت وحدي مَنْ يغوص في الكلام والثرثرة والأحلام. أما "لطيفة" فقد كانت تطل عليّ بين الفينة والأخرى وترشقني في صمتٍ بنفس النظرات اللوّامة الغاضبة.


لما احتوانا البيت من جديد استغربتْ لتعلُّقي بها كما لو كنّا في بداية حياتنا الزوجية. سألتْني باندهاش:


- ما بك؟


- أحبكِ يا عزيزتي، هذا كل ما في الأمر. أليس من حقي أن أحب زوجتي متى أشاء وكما أشاء؟


- بلى، بلى... فقط ليس من عادتك ذلك. ولكن لِمَ لا؟


ضمّتْني إليها ببراءتها المعهودة ثم أضافت:


- تقبَّل تحيات أمِّي. لقد قمت بزيارة أهلي هذا الزوال. كانت أختي “زينب” تعاني من بعض الحمّى هذا اليوم فقمتُ بالواجب.


طوَّقتْني بذراعيها ونامت. أما أنا فلم أنَم إلا في وقت متأخر من الليل. كنت أفكر في أشياء غير محددة. انتابتني خيالات وهواجس شتى.


انعكست في ذهني صورة "زينب" أخت زوجتي. كنت قد صادفتُها قبل ساعتين من الالتحاق بمقَر عملي في نفس اليوم وهي تغادر الحافلة متجهة إلى محطة الميترو لتلتحق بإعدادية "فيكتور هوجو" في وسط المدينة حيث تتابع دراستَها الثانوية. هرولتْ نحوي وتبادلنا التحية والأخبار. لم يكن بها لا حُمّى ولا هم يحزنون. من يدري؟ لعل مكروهاً أصابها فعادت إلى البيت في الضاحية الشرقية للمدينة.


أسِفتُ لحال "زيْنب" وأسلمْتُ نفسي إلى انشغالاتي الداخلية الطارئة محاولا أن أنام. زارني طيف صاحبة العطر الكاسح مرة أخرى. أخذتُ أفكر في كيفية الوصل والوصال والتواصل والـ...


والخيانة!؟


تبرّمتُ منْزعِجا وقررت أن أنام مستعيدا بالله لاعِنا الشيطان الرجيم...


أحسسْت بأصابع "لطيفة" تداعب شعر رأسي. كانت تلك طريقتها في إيقاظي من النوم بلطف ورقة كما لو كنتُ طفلا. سمعتها تقول:


- استيقِظ أيها القط الكسول. إنها الحادية عشرة صباحا. ليس من عادتك ذلك، ماذا أصابك؟


انتفضْت في الفِراش واستجمعْتُ أطرافي متصنِّعا بعض التذمُّر. وما كان مني بعد ذلك إلا أن أبديْت لها رغبة وحبّا لا سابق لهما. استغربَتْ لذلك ثم قالت وهي تتنحّى عني جانبا مندهشة:


- لقد أصدرتَ شخيرا على غير عادتك! وقلتَ كلاما غير مفهوم خلال نومك! هل أنت مريض؟


- أنا مريضٌ بك يا حبيبتي. كم أحبك!


قطّبت ما بين حاجبيها وهرعت إلى تحضير الفطور كما لو كانت تهرب مني وتتفاداني بلباقة واضحة.


اغتنمْتُ فرصة صدِّها لي ونفورها الذي لم يكن له من مبرِّر وأخذتُ كامل وقتي للتفكير فيما سيحصل مساء ذلك اليوم في مقر الشغل.


كانت إدارة المؤسسة قد قررت -على غرار السنوات الفارطة- إقامة حفلٍ بمناسبة حُلول السنة الميلادية الجديدة. كانت الدعوة موجّهة إلى الجميع ابتداءاً من الساعة السادسة والنصف بعد الزوال. ثم إنني أخذت أتساءل في قرارة نفسي: هل ستشارك في هذا النشاط الاجتماعي صاحبتي التي استحوذت عليَّ ولم أعد أفكر إلا فيها؟ وضرَّني أنها إذا ما غابت عن الحفل فلن أرَها إلا بعد أسبوعين طويلين حيث تغلق "دار الجميع" أبوابها بسبب إجازة رأس السنة. لهذا كنت أدعو في داخلي ألاَّ يحصل ما يخيّب ظني، وفي الوقت نفسه كنت أبحث في ذهني عن خطة ناجعة تجعلني أقترب منها، وتجعلني -لِمَ لا؟- من المقرَّبين إليها... وربما أكثر إذا ما سهَّل الله الأمور!


حلّت الساعة السادسة وأخذ الزوار يتوافدون على المؤسسة ويملأون الساحة التي وُضعت على طاوِلاتها أنواعُ المشروبات وأطباق الحلويات وغير ذلك...


مرّت الثواني والدقائق الطويلة وأنا أنتظر بشغف وصبر أن تُشرق طلعةُ صاحبة العطر الساحر الذي كان لا يزال يغمُرني رغم أنف "لطيفة". كنت أعدُّ الوقت عدّا. مرّت ساعة، ساعتان... غدَت البناية العمومية مليئة بالبشر. كنت أتسلل وسط الزحام بحثاً عن وجهٍ ما. كان لا وجود له إلا في خيالي. غمرَني اليأس من حضورها وأخذتُ أداري نفسي مهيِّئاً إياها لتقبُّل الحقيقة. هذه الأخيرة كانت هي أنني لن أستنشق ذلك الطيب وأنني لن أرَ صاحبته إلا بعد أيام ما أطوَلَها!


يئستُ إذاً ورضخْت لسُنة الأمر الواقع. انسحبت إلى ركن معيَّن وخضت في ثرثرة مع بعض العجائز من سكان الحيّ. كان الحديث لا رأس له ولا عقب. كنت فقط أبحث عن النسيان وأبغي تفادي الانتظار... وفجأة أحسست بعطر أليف يدخل خياشيمي رويدا رويدا ثم يكتسحني عن آخِري بالتدريج. التفتُّ على يميني مرتبكا مرتعشا. كانت صاحبتي هناك تتابع مجرى الحديث وهي تنصت إلينا باهتمام. التقت عينانا فابتسمت وحيّتْني. فعلتُ نفس الشيء وأنا أردُّ عليها التحية بحرارة واحتفاء كادتْ تستغرب لهما. ويبدو أنني قلت لها شيئا ما لأنها لم تسمعني فاعتذرتْ برقة ووداعة وهي تقول:


- عفواً، لم أسمع شيئاً. إنّ أذُني اليمنى هذه معطَّلة بشكل نهائي. كأنها مجرد ديكور!


قالت ذلك وهي تضحك، ثمّ غيَّرتْ موقِعَها بجانبي حيث أصبحت أذنها السليمة اليسرى مُوجَّهة نحوي. كنت في نفس الوقت قد التقطتُ أنفاسي وقررت ألاّ أدع الفرصة تضيع مني وتفلت من بين يدي هذه المرةّ. قررتُ أن أضغط على دواسة البنْزين في مُحرِّكي الداخليِّ. ولعلّ عطرها أثْملَني فجنح بي الخيال والكلام ونشطت حبالي الصوتية وأنا -كالمتفقِّه العارف- أخوض في الحديث عن الصّمَم وأنواعه وأسبابه والأُذن الخارجية والوُسطى والداخلية وطبلة الأذُن وقناة أوسطاش والعُظيْمات وما قد يصيب كل ذلك من خَلل عرَضي أو أبدي... ثم بعد هذا تطرَّقتُ إلى مدى تقدُّم العلم والطب في التصدي للآفات التي تطال تلك الأعضاء السمعية محاولا في نفس الوقت أن أمارس تأثيراً ما على صاحبتي و... إلى أن قاطعتني وهي تنظر إليّ باندهاش مع نفس الابتسامة والرقة الممزوجة بنوعٍ من الانبهار:


- مِن أين لك كل هذا؟ هل درستَ الـ...


- لا. كل هذا يوجد في الكتب والمجلات المختصة. ثم إنني نصف أصمٍّ مثلك والأمر يهمُّني كما ترين!


وكطفلةٍ أطلقتْ ضحكة خجولة، ضحكة اختلفت بين السرور والاستغراب، وكأنها لم تصدق أنني كنتُ أحَدَ "زملائها في العاهة". سألتْني لكي تتأكد مزيدا:


- صحيح أنك...؟ الأذُن اليمنى مثلي؟


حرّكتُ رأسي مؤكِّدا لها وأنا أبتسم أن الأمر صحيح. كأنني في نفس الوقت كنت أطمئنها على أنها لم تكن وحيدة في خوض تلك المعاناة.


الحقيقة؟


الحقيقة هي أنني أستطيع سماع حركة النمل على بُعد أمتار، وأُذناي سليمتان معافاتان مائة بالمائة والحمد لله. لست أدري كيف صدر مني ذلك الكلام ولا كيف خرج من بين شفتيّ. بورك في الذي قال إنّ الغاية تبرِّر الوسيلة، وعلى أية حال فهذا ما حصل ولا مؤاخذة!


تأكدْتُ في نهاية المطاف أنها ذاقت من الطُّعم واستحْلتْه، ثم أخذت تطلب المزيد. حينذاك توقّفْت عن الكلام المباح وأنا أكاد ألهت وريقي يكاد ينضب. أخذتُ أنصت إليها، وكلما أنْهَت موضوعا استدرجتُها إلى آخر...


كان رواد "دار الجميع" ينتقلون من ركن إلى ركن، يشربون ويأكلون ويلهون ويمزحون. وكنّا -هيّ وأنا- منعزلين في زاوية نتجاذب أطراف الحديث وقد زالت بيننا الكلفة والمجاملة. قدّمتْ لي نفسَها وقدّمتُ لها نفسي:


- إسمي "أُوريلْيا". أعمل سكرتيرة في إحدى الشركات، مُطلقة وليس لي أولاد. أهفو إلى حياة جديدة وسط الناس العاديين الطيبين والبسطاء. لذلك اخترت أن أخرج من عزلتي وأفكّ عن نفسي قيود الوحدة. كان أول ما ارتأَيتُ في هذا الصّدد أنْ ألجأ إلى هذا الحيّ الشعبي للمساهمة في إعطاء دروس إضافية لأطفاله رغم أنني أُقيم في حيٍّ آخر ميسور الحال...


- إسمي "محمَّد". مهنتي تعرفينها قبلاً. مواطن من أصل مغربي، أقيم في فرنسا منذ زمن طويل. غير متزوج ومن ثمة لا أطفال لي. لا أملك هاتفاً في البيت (!؟)... أهوى قراءة الكتب وأُحب النساء الجميلات والعطور الناذرة كعطرك هذا...


هكَذَا !


"مسخوط صافي!"، هكذا قلت في نفسي لنفسي.


انتهى الحفل وكأنه مرّ في رمشة عين...


- هل نلتقي غداً؟


- لِمَ لا؟


من اتخذ البادرة وقام بدعوة الآخر؟


لا أدري. لا أعرف ولم أعُد أذكر. حصل كل شيء بصورة عفوية. ربما كانت هيّ، ربما كنت أنا. ولكن ما أهمية ذلك؟ المهم هو أن ما حصَل حصَل وهذا هو الأساس، أليس كذلك؟


لمَّا كنت عائدا إلى البيت، قبيل منتصف الليل، كنت أحوم في عالمٍ آخر، كنت أحلق في سماوات بعيدة وكأن السيارة تحولت إلى طائرة أو بُراق. لم تكن "أُوريلْيا" جالسة بجانبي على المقعد الأيمن، بل كانت تحتلُّ هذا الأخير صورة "لطيفة". كانت غاضبة لائمة مُعاتبة، وكنتُ أفكر في نهار الغد الذي كان أول يوم من إجازة رأس السنة. كنت أبحث عن عذر مقبول يجعلني أتملص من زوجتي بلباقة لكي أهرع إلى لقاء "أُوريليا". تقدَّمتْ أمامي عدة حلول واحترتُ في الاختيار...


صادفتُ "لطيفة" أمام باب العمارة حيث نُقيم. كانت آتية تهرول تحت قطرات المطر وكأنها في حالة استنفار. وأنا مُنكَب على فتح الباب الرئيسي للإقامة السكنية سمعتُها تسألني بنوع من الاستغراب كما لو كانت تؤاخذني:


- أراك عُدتَ باكراً من العمل هذه الليلة!


أجبتها وأنا أفكر في نهار الغد:


- لقد انتهى الحفل وتفرّق الناس... غير أنني سأعود إلى المؤسسة غدا بعد الزوال... هناك اجتماع طارئ سنحضِّر فيه لفترة ما بعد العطلة السنوية... وقد أعود إلى البيت في ساعة متأخرة على غير العادة.


قالت مُجيبةً على سؤال لم أطرحْه:


- تقبَّل تحيات أهلي. أنا عائدة مباشرة من هناك. كانت أختي مريضة بعض الشيء فقمت بالزيارة هذا المساء.


كانت مُتعبَة ومُرهَقة إلى حدِّ أنها، ونحن في البيت، التجأتْ توّا إلى غرفة الحمّام. استحمّت بسرعة ثم ارتدتْ مَنامتَها الحريرية كيفما اتفق وأسلمَت بعد ذلك نفسَها لأحضان "مُورفيوس". ساءني حالها وأنا في الصالون أفكر فيها وفيما حدث وسيحدث. أحسستُ بنوع من الذنب وبتيار غريب يجرفني نحوها لكي أعتذر عمّا لم أفعله بعْدُ ولكي أحبَّها أكثر من السابق و...


وهرعتُ إليها ذات لحظة لمؤاساتها والاطمئنان عليها. حاولتُ إيقاظها ولكن دون فائدة. تلوَّتْ في الفراش بعصبية ورجَتْني أن أدعها تنام. أذعنتُ للأمر ونمتُ وأنا أفكر فيها. كان بقربي طيف "أوريلْيا" التي فتحت لي ما بين ذراعيها واحتضنَتْني فَنِمتُ على صدرها بينما كانت "لطيفة" تُولِيني ظهرَها و عجيزتها الضخمة وهي تغط في نوم عميق.


في نهار الغد، لما كنتُ أستعد للالتحاق بمقر عملي (!) كانت زوجتي ترمقني بنظرات لأول مرة لم أفهم معناها. كانت شاحبة صامتة على غير العادة. قلت في نفسي: "لعل حاسّتها السادسة قد فقهت وكشفَت ما أنا مقبل عليه، ولم تنْطَلِ عليها كذبتي... كذبتي البيضاء!". فكرْت في التراجع عن المشروع، ولكنني لم أستطع ذلك. كانت هناك قوة غريبة في داخلي تدفعني إلى لقاء "أُورِيلْيا".


وجدتُ هذه الأخيرة في انتظاري بساحة "مقهى الرُّون". كان الجو عذباً يبعث الانشراح في الصدر. رأيتها شبه متداعية على المقعد مُوجِّهةً وجهَها البضّ نحو السماء لكي تداعبه خيوط شمس خجولة تظهر طورا وتختفي طورا. كانت بشوشة باسمة بينما كانت عيناها مغمضتين وقد أسلمتْ نفسها إلى عالم آخر جميل. لما اتخذتُ مكاني أمامها انتفضتْ فجأة كقُبَّرة مرتعبة، ثم وقفتْ وعانقتني بحرارة فوجئت لها. قالت:


- حين يكون الجو حلوا ينعكس ذلك على نفسي. أحس بأنني سعيدة، سعيدة جدا. وأنت؟


ودون أن تنتظر جوابي أضافت ضاحكة:


- أنا هنا منذ حوالي ربع ساعة. لم يأت النادل بعد لتلبية طلباتي. هه... هه... لعله أتى ولم يتجرأ على إزعاجي. لقد كنت غائبة تماما عن هذا العالم. كم أحب الشمس!... فكَّرْتُ فيك، في الشرق وفي البلاد العربية المليئة بالشمس والشعر والأحلام. أنتم محظوظون كثيراً يا مُحمّد.


كانت أكثر أناقة وأكثر جمالا، كانت تتكلم بعفوية وطلاقة كطفلة، وكان عطرها الْمُسكِر يغمرني. تجاذبنا أطراف الحديث الذي انطلق من موضوع الجوّ المعتدل وعرَّج على "شمس العرب التي تسطع على الغرب" (!) والشعر والخطابة والموسيقى والضيافة والكَرَم والبترول والغاز الطبيعي وأمريكا والسَّاسة والحكام والرؤساء والوزراء مدى الحياة و... وانتهى بنا الأمر إلى الحديث عن العزلة والوحدة. قلت لها بأن الوحدة حقّاً قاتلة وأن حياة العزوبة جحيم، وأنني لم أجد بعد نصفي الثاني الذي طال بحثي عنه صبحا وعشيّا، وأن المرء يجب عليه أن يضرب الحديد ما دام ساخناً لأن الوقت يمر بسرعة لا نحس بها إلا ناذرا وأن العُمر قصير مهما طال، ومن ثمة وجب أن نغتنم الفرصة لإسعاد أنفسنا وتحقيق رغباتنا كيفما كانت و... وفي خضم الكلام كان يطل عليَّ بين الفينة والأخرى وجه "لطيفة" التي كانت تقول لي: "ألا تخجل؟ احتشم قليلا يا هذا!". وكنت كلما حصل ذلك أفرك عينيّ كأنْ لأمْحُوَ صورة زوجتي ثم أستمر في الكلام المباح. كنت أستشهد ببعض أبيات الشعر والأقوال العربية المأثورة، وكانت "أُوريلْيا" مشدوهة ومنبهرة. سمعتها ذات لحظة تقول لي بنوع من الإعجاب:


- إنك تتكلم لغتنا بشكل جيد!


- إنها لغتي أنا أيضاً. لستُ دخيلا على هذه اللغة، بل هي التي دخلتني منذ الصغر. تعلمتُها في المدرسة في نفس الوقت الذي بدأتُ أتعلم فيه اللغة العربية.


ظلت تنظر إلي بعينين حالمتين ثم قالت بسذاجة:


- محمّد! هل أنت شاعر؟


- لا، ولكنَّ مَن يَسبَح في غدير عينيكِ قد يصبح إمّا مجنونا أو شاعراً فريداً.


ابتسمت واحمرت وجنتاها. قلّبت أوراقا كانت في حوزتها وقالت:


- لقد حضَّرتُ برنامجا لأُمسيتنا هذه. في البداية أقترح عليك أن نشاهد فيلماً هزليا نال جائزة هامة في مهرجان "كَانْ"، بعد ذلك نتناول طعاما في مطعم من اختيارك، وحبَّذا لو كان الطعام كُسْكُساً مغربيا. إنني أحبه كثيراً.


طاوعتُها واتجهنا إلى قاعة السينما حيث كانت الساعة تشرف على السادسة مساءاً. سبقتها إلى الشُّباك وحجزتُ مقعدين لمشاهدة الشريط الذي لم أكن أعرف حتى عنوانه والذي كان أثار حماسها وإعجابها تبَعاً لما سمعَتْ وقرأتْ عنه في الجرائد والمنابر المختصّة.


داخل قاعة العرض وجدنا نفْسَينا نبحث معا عن مكان منعزل في ركن يوفر لنا قليلا من الحميميَّة. تسنَّى لنا ذلك واستطاعت "أُوريلْيا" بعفوية ولباقة أن تجعلني أجلس على يَسَارها حيث أذنُها السليمة. خمَّنتُ أنها فعلت ذلك حتى تسمع ما يمكن أن أهمس لها به كملاحظة أو تعليق خلال عرْض الشريط. وفكرْتُ أيضا بأنها كانت أنانية نوعا ما، لأنها نسيَت أو تناست أنّ أذني اليمنى كانت عاطلة عن العمل -كما ادعيْتُ من قبل- ومن ثمة "لم يكن بمقدوري طبعاً أن أسمعَها" هيّ إلا إذا أدَرْتُ رأسي نحو الخلف عارضاً أُذني اليسرى قرب فمِها لكي ألتقط ما تقول. وتلك طبعا كانت وضعية غير مريحة. سامَحها الله الذي حمِدتُه على سلامة أُذني اليمنى، وتبَعا لذلك لم أكن مجبرا على القيام بحركات من رأسي تبعث على الضحك أو الرثاء.


انطفأت الأضواء وأخذت الصور المتحركة تنعكس وتَمُرّ على الشاشة البيضاء. كان يغمُر القاعة حينا بعد آخر ضحكٌ جماعي وقهقهات، وأحيانا كان يسود صمتٌ وهدوء لا يُعَمِّران طويلا. كانت "أُوريلْيا" بشوشة سعيدة. إلا أنها سرعان ما تجهَّمت فجأة وأحسسْتُ بها تتقلّص وقد أمسكَتْ يدُها اليسرى بيدي اليمنى. حصل ذلك أثناء مشهد يعكس مطاردةَ الشرطة مَتْن سيارتهم لأحد النصّابين الذي كان ممتطياً دراجته النارية. فقدت هذه الأخيرة توازنها ذات لحظة فانزلقَت بشدة وتدحرجَت مما جعل رفيقتي تقفز في مقعدها. تقزَّزتْ أكثر حين رأت بقع الدّم و... وضغطتْ بيدها على يدي كما لو كانت تطلب النجدة. عَبْر يُسْراها أحسسْتُ بحرارة جسدها تنتقل إليَّ وتغمُرُني عن آخِري. شعرتُ بكثير من الدفء والـ والـ... وهلُمّ جرّا.


انتهى المشهد العنيف وفُسح المجالُ للهزل والتسلية. هدأت "أُوريليا"، ولكن يدها ظلّت تقبض على يُمناي. أخذتُ أداعب أصابعها بوداعة ورفق مصطنِعا في نفس الوقت وضع مَن يشاهد الفيلم بتركيز واهتمام. أخذَتْ تفعل نفس الشيء وهي تضغط على أصابعي بحنان ورقَّة. أحسسْتُ بأنني أحلِّق في سماء أخرى بعيداً عن تلك القاعة المظلمة. كان شريطٌ آخر يدور في رأسي ويستبدّ بتفكيري. جمح بي الخيالُ ورأيتُني خارج الصالة المعتمة رفقة صاحبتي. كنا نسير في الشارع هادئين مسرورين ونحن نتبادل الآراء حول الفيلم الذي شاهدناه. عبَرْنا الشوارع والأزقة والساحات، وتناولنا طعاماً مغربيا في مطعم مَغارِبي. كنا كما لو أننا نعرف بعضَنا منذ دهر. انفصمت الحدود وتكسرت الحواجز، وجرَّنا الكلام إلى مزيد من الكلام. غيْر أنني خلال كل ذلك كنتُ أحس بوجود شخص ثالث يترصَّد خطانا. لا أعتقد بأنني توهّمتُ شيئا، فليس من عادتي ذلك. ولكنْ كان لديّ يقين بأنّ هناك مَن يراقبنا ويقتفي أثرنا ويعكِّر صفو راحتنا وهدوء سهرتنا. ولما أشرَفَت هذه الأخيرة على الانتهاء غادرنا المطعم وأخذنا نجوب الشوارع من جديد. ثم جاء الوقت حين رجَتْني "أُوريلْيا" أن أوصلها إلى بيتها لأنها لم تأت بسيارتها. وافقتُ توّا على ذلك منشرِحا وأنا أفكر فيما سيحصل وأتوقَّع ما سيكون. ضغطتُ على دواسة البنزين وكأن الشخص الثالث لا يزال يطاردنا. وصلْنا وحصل ما توقَّعتُه: دعتْني صاحبتي إلى بيتها لشرب شيء ما. وافقتُ دون تردُّد، وشربنا شيئا ما... ثمّ شيئا ما آخر... وآخَر... وأذِنَ رضوانُ بالدخول! دخلْتُ ورأيتُ ما رأيت، صُلتُ وجلتُ وعرفتُ كل شيء. وانتهى كلُّ شيء لمّا نِلتُ بُغيتي وكان أمرُ الله مَقضيّا. حينذاك دخل الشخص الثالث الذي "توهَّمْتُ" أنه كان يقتفي أثرنا. لعلَّه كان يراقبنا في الخفاء منذ البداية. كان وجها أليفا لدَيّ محبَّبا إلى قلبي: إنّها "لطيفة"! انعكسَتْ صورتُها تدريجيا في فضاء الغرفة وهي تنظر إليّ غاضبةً وشفتاها تتحركان بعصبية ودون صوت. غيْر أنني في داخلي سمعتُها تقول: "أيها الخائن! أكرهك... أكرهك. سأطلب الطلاق". ارتعدتْ فرائصي. لَمْلمْتُ حوائجي وأطرافي وهرولْتُ بعيدا بينما كان صوت "أُوريلْيا" يلاحقني: "مُحمّد! ما بك؟ ماذا أصابك؟".


ألَحَّت:


- مُحمّد! قُم! هيّا بنا نخرج، لقد انتهى الشريط ولم يبق سوانا في القاعة!


انتفضْتُ في مكاني متلعثما:


- أيُّ شريط؟ أيةُ قاعة؟


جذبتْني من ذراعي وهي تضحك وتقول:


- لعلك اندمجتَ كليّاً في شخصية من شخصيات الفيلم. هيّا، تعال بنا نخرج من هنا لاستنشاق الهواء.


في الخارج كانت تسألني عن رأيي وملاحظاتي حول ما رأيتُ وشاهدت. كنت عاجزا تماما عن الإجابة. لذلك بتُّ أضرب أخماس في أسداس حتى ضحكَتْ واقترحَتْ أن نناقش موضوع الفيلم فيما بعد. قالت:


- أنا الآن رهن إشارتك. قُدْني إلى أيِّ مطعمٍ تشاء.


أصابني حرج وارتباك قبْل أن يأتيني الفرج من عند الله فقلت:


- لقد عشتُ معك كامل سهرتي. أشكرك على ذلك.


نظرت إليّ باستغراب وتساءلت:


- ماذا تقول؟ كيف لك أن تسبق الزمن؟ إنّ سهرتنا لم تنته بعد!


- صحيح، ولكنني أحس بألم في أُذني اليمنى. يجب أن أعود إلى البيت حالاً لتناوُل الدواء. أعذُريني.


علَت وجهَها أسارير فرحةٍ مفاجئة ثم قالت وكأنها وجدت حلاًّ للمعضلة:


- طيِّب. ليذهب طعام الكُسْكُس إلى الجحيم. أنا بدون سيّارة، أوصِلْني إلى بيتي وسأُناولك ما يلزم من المهدئات. سأقوم بتطبيبِك كمُمرِّضة حقيقية. سوف ترى، هيّا. عندي كل شيء، لقد عانيتُ من نفس الألم و...هه... هه... ستكون مناسَبَة أيضا لتتعرَّف على كلبي "لُولُو". ما رأيك؟


- لا يا عزيزتي. سامحيني. لا يمكن أن آخذ أدوية خارج وصفة الطبيب. ثم إنني أيضا بدون سيارة. لقد أتيت عبر المِيتْرو. بلِّغي تحياتي إلى "لُولُو".


قالت يائسة وقد تجهَّم وجهها:


- حسناً يا مُحمّد، ولكنْ اتصلْ بي عن طريق الهاتف لكي أطمئنّ عليك.


افترقنا وسار كل واحد منا في الاتجاه المعاكس. أسرعتُ الخطوات متجها نحو سيارتي وطِرتُ إلى البيت. كانت الساعة تشير إلى الثامنة ليلا. كنت أفكِّر في "لطيفة" مع شعور كبير بالذنب، رغم أنني لم أخنها إلا في الخيال. وكنت أفكر أيضا في كيفية محو هذا الشعور بالذنب. خلال نفس المسافة فكرتُ بأنني منذ أمَد قصَّرتُ في حق زوجتي، لذلك قررتُ أن أحتضنها تلك الليلة، أن أعتنيَ بها وأن أدعوها -إن شاءت- إلى قضاء ما تبقَّى من السهرة خارج البيت قصْد الترويح عن النفس وبتِّ أنفاس جديدة في حياتنا الزوجية و... وخاب أملي حين وجدْت البيت مظلما هادئاً لا حركة فيه. لم يكن لي علم بالمكان الذي يمكن أن توجد فيه "لطيفة". غير أن اختلافَها على بيت أهلها خلال الأيام الأخيرة دفعني إلى الاعتقاد أنها قامت بزيارتهم مرة أخرى لسبب أو لآخر. وأنا أترقب عودتها بين لحظة وأخرى كنت في نفس الوقت أفكر في برنامج يجمعنا معاً في نهار الغد حيث ننسى التعب اليومي والروتين الثقيل. وأنا في خضم الانتظار والتفكير غير المرَكَّز انتشلني رنين الهاتف فجأة. انشرحتْ أساريري وأنا أفكر في "لطيفة".


- آلو! مُحمَّد؟


- نعم، "لطيفة"؟


سمعتُ ضحكة متحسِّرة وصوتاً شبهَ أليف يقول:


- لا، لستُ "لطيفة". خمِّن من أكون!


وما كدتُ أُجيب وأنا أبحث عن الكلمات مرتبكا حتى أُغلِقت السمّاعة في الطرف الآخر بعنف شديد أحدَث طنينا متواصلا في أُذني اليمنى.


"يا لَك من غبيٍّ يا مُحمّد! غاب عنك أن رقم هاتفك موجود في لائحة المنخرطين"، هكذا قلتُ في نفسي وأنا أفكر في "أُوريلْيا" وفي صوتها الذي كان مغمورا بالحسرة والخيبة على الطرف الآخَر من الخط. ولكن ماذا أصابها حتى نقَّبتْ هكذا في دليل الهاتف؟ أهُو الشك؟ الفضول؟ الـ...؟


لم أكن أدري. ولم أكن أعرف بأي وجهٍ سأقابلها بعد الإجازة في "دار الجميع".


فكرت فيها طويلا في حماقتي وأنا أنتظر زوجتي الغائبة. كانت الساعة تشير إلى دقائق طويلة بعد العاشرة ليلا حين رَنَّ جرس الهاتف من جديد. قلت في نفسي: "إنها "أُوريليا". ستطلب مني تفسيرا لسلوكي و... لأنّ ذلك من حقِّها و..."، واتجهتُ برباطة جأش نحو الهاتف كي أردَّ عليها بعد أن فكَّرت جيدا فيما سأقول.


- نعَم، "أُوريلْيا"؟


سمعتُ ضحكاً تلاه الجواب:


- لا يا مُحمّد. أنا "زينَب". مَن تكون "أُوريلْيا" هذه؟


تلعثمْتُ وقد لطمتْني المفاجأة:


- لا، لا شيء. إنها زميلتي في الشغل... كيف حالكِ أنتِ؟ هل ذهبتْ عنكِ الحمَّى؟


تساءلتْ باستغراب:


- الحمّى؟ أبْعَد اللهُ الشر. أية حمّى؟


- هل أنتِ بخير؟


- نعم، لماذا؟ ما بك يا مُحمّد؟


سادت لحظة صمت. أحسستُ بالدم يغلي في رأسي. سمعتُ صوت "زينَب" يصلني عبْر الطنين الصاخب في أُذنَيّ:


- هل أختي "لطيفة" هناك؟


التقطتُ أنفاسي وقلتُ في نفسي إنَّ الغائبَ حجتُه معه ثم أجبتُ:


- نعم يا "زينب". ولكنها نائمة. لقد أصابتها بعض الحُمّى ولا أجرؤ على إزعاجها. اتصلي فيما بعد.


- حسناً. إليكَ وإليها تحياتي. قوما بزيارتنا، لقد طال غيابكما عنا. إلى اللقاء.


إلى...


اللقاء...


والتقينا.


كانت الساعة قد فاقت الحادية عشرة والنصف. سمعتُ صوت المفتاح يتحرك في قفل الباب. لما رأتني "لطيفة" اكفهَرَّ وجهها رغما عنها. شحُبت وهي تنظر إليّ باستغراب ثم سألتْني مندهشة:


- ظننتُك ستعود متأخرا هذه الليلة كما قلت!


حركتُ رأسي كمن يعتذر قبل أن أسألها:


- وأنت...؟


- أنا أنا كنت في بيت أهلي. ماذا تظن؟ لقد اشتدت الحمّى على أختي "زيْنب" و...


و... و... و... و...



ونِمتُ تلك الليلة في الغرفة الأخرى مع طيف "أُوريلْيا" يحرسنا كلبُها "لُولُو".





ملاحظة: ستصدر ترجمة هذا النص للفرنسية لاحقا في نفس المنبر.