31 janv. 2012

المَوتُ في الدَّار البيْضَاء



(قصة حب طويلة ـ البيان رقم 1)


بيني وبينها حبٌّ قديم جديد، حبٌّ منعش كالندى ساعة الفجر، حبٌّ لازال يتقادم ولازال يتجدد، حبٌّ هو أقرَب إلى تلك العلاقة السّاديمازوشية المتعددة الأبعاد.


بيننا - أو هكذا يُخيل إلينا معاً - ذلك الرباط اللامرئي من المحبة المتينة والعُدوانية العميقة؛ عدوانية مصطنعة لا حقيقة لها، ولكنها تؤلم وتؤذي بعمق. بيننا التلاقي والتّنافر، الوصال والانفصال، العشق المتبادل والملل المتبادل، بيننا الحرب بمعنى ما والمهادنة بمعنى آخر. بيننا اليأس والأمل، ورغم كل شيء لا شيء يتغير، نظل معاً، نختلف ولا نفترق، نتباعد ونتقارب. يحذث لنا كثيرا أن نختلف، ولكن ناذراً ما نفترق، يبتعد كلانا عن الآخر، ولكن سرعان ما نلتقي دون تأخُّر حينما الواحدُ منا يشتهي ذلك.


أعلَمُ أيضا أنها تُكنُّ لي حقدا فريدا من نوعه أجهل تقريبا سببه، وكرَدٍّ عفويّ مقابلَ ذلك أوافيها طواعية بضغينة مشروعة وحنق لا يخرجان على قانون علاقتنا. قصة حبنا أخذٌ وردّ. هي وحدها - في الماضي و الحاضر والمستقبل معاً - تبرِّر كل ما ذكرت، تبرر هذا الحب الذي يظل حبا مهما كان الأمر، يظل حبا نمارس فيه لعبتنا كما يشاء المزاج.


هذه العلاقة الطافحة بالمتضادات والمتناقضات تظل تمضي في سبيل زمني يأخذ - حينما يحلو لعشيقتي البيضاء ذلك أو حين أشاءُ أنا - بُعداً تكبر تضاريسه وتتضخم لتصبح أكثر تعبيرا عن نفسها لمَّا نلتقي على الخصوص.


ولكي نلتقي تطبِّل عاصمةُ اقتصادِ هذا المغرب القاسي في رأسي وتزمر. تقلب السماء والأرض وتقعدهما حين أكون بعيدا عنها وتدعوني بنَزق طفوليٍّ أحيانا وأحيانا باستجداء ممزوج حنانا وحبا وترحابا أن أعود توّاً، دون أن تكف خلال كل ذلك عن التألم لحرقة الفراق ولوعة الشوق وسكَرات البُعد.


وبَعد البُعدِ يكون القرب، نلتقي وقد أتيتها كما لو على أربَعٍ لاهثا لأغوص فيها، لأعانقها، لأكُونَها وتُصْبِحَني... ثم إنها لا تفتأ أن تؤلمني متلذذة كزوجة طاعنة في السن يحلو لها ممارسة الثأر وكأنني خنتها دون علمي. يحل اللقاء وتستقبلني في البداية الدار البيضاء بذراعين مشرعتين، تأخذني في حضنها، تدعوني إلى عُلبها الليلية وحاناتها النهارية مانِحةً إياي ألف كأس ودَنّ، ثم تلقفني بين الفينة والأخرى ثديها الأيسروترضعني حليبها الذي له طعم جعتي المفضلة الـ"مايْدْ إنْ موروكُو". أمتص رحيقها حتى الثمالة قبل أن أسافر في جسدها الذي له نكهة المغرب العميق. أدخلها وتدخلني خلال ليالٍ بيضاء طويلة كالأبد، أسكنها عميقاً حتى... حتى أُصبِحها، حتى نصبح واحدا. ولكن ما أن تنتهي طقوس الاحتفال حتى توجعني مدينتي بحبها وشكوكها وتوهماتها ونزقها وما إلى ذلك.


شيءٌ حين نلتقي، وأمر آخر حين تكون المسافات فاصلةً بيننا وظروفُ العيش عائقا يفرقنا. هذه الظروف بالخصوص يبدو لي أن الدار البيضاء لم تستسغها بما فيه الكفاية، فظلت تخالني انسحبتُ منها في بداية الثمانينات عن طواعية وانسللتُ إلى بعيد خفية عنها دون إذنٍ منها ميمِّما شطر مدينة المنفى والاغتراب. لعل لها إحساس المنبوذة التي - بعد أن أحببنا بعضنا ولا نزال - غادرتُها فمضت تتقلب بين الحب والكراهية. من يدري؟ ربما كانت على حق، هي وحدها تعلم.


ليست هذه المدينة بمسقط رأسي، لا بل عرفتها عن طريق الصدفة. رأيت رأسي يسقط في مدن مختلفة بجوارها وبعيدا عنها، رأيته يتساقط جنوبا وشمالا، شرقا وغرباً، إلى أن استقر بي القرار منذ أمد وبعد الموت حبا في الدار البيضاء بالمدينة الشقراء "ليون" التي أوتني وذثرتني ببردها وغطَّتْني بصقيعها طوراً وطوراً بقيْظها الصيفي الذي لم يكثم أنفاسي بعد.


لست وحدي حبيبها. أعرف ذلك ولا أنكر منه شيئا. للدار البيضاء أحبة هم أيضا أحبتي.


حينما يضيق بي المكان أيمِّم شطرها طلباً للدفء والشمس الناذرة. أعود إليها منجرفا وكأنما أمواجٌ عاتية تدفعني نحوها. أعود إلى الوكر الأول لأجدني في أحضان الدار البيضاء وما أدراك ما أحضان الدار البيضاء.


آتيها طوعا ومرغما في نفس الآن. بعد اغتراب له عمر الأبد وطعم الكَمد أحس بمغناطيسها يجذبني بعد أن كان بيننا البيْن وبعد أنْ، رغم البعد، ظللنا نتواصل ذلك التواصل الذي لا يحسه إلا من عشق وبات ردحا من الزمن في منأىً عمن يحب. آتيها وقد كانت بيننا لقاءات شتى لامرئية ولا ملموسة.


عن بعد يحدث أن يكون "اللقاء" هكذا:


ـ آلو!... أمي!... كيف الحال يا الحاجّة؟


ـ هاي هاي هاي! مالك غبرت؟


ـ لا شيء يا أمي، كل شيء هنا بخير، وأنتم؟ كيف هي الأحوال؟


ـ وا... وليدي أنت عارف... أصحابك هاجروا... الحيّ عمر... الداربيضة ولات كحلة... قل لي...


ـ نعم يا الحاجة.


ـ كيف حالك مع البرد؟


ـ أنا أحن إلى حرارة البلاد يا أمي. بي شوق إلى صهد الدار البيضاء و...


تضحك أمي بحنان وتسرد لي تفاصيل المدينة وموجز الأحداث. في نبرة صوتها الضاحط أسمع تجاعيدها التي تتراكم يوما بعد يوم، تجاعيد أكتشف تزايدها كل سنة حينما أعود. لست أدري لماذا أجرع تجاعيد أمي و هي تحتضنني وتقبلني لما نلتقي بعد عامٍ في رحلة صيف أو شتاء... ولست أدري لماذا خلال تلك اللحظة وما بعدها تجتاحني تلك الأسئلة الحارقة من مثل: الزمن؟ الوقت؟ العُمر؟... وتطن في رأسي تعابير طالما سمعتها وأسمعها هناك في مدينتي التي لها أبعاد الوطن: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"... "الوقت من ذهب"... هذا ما تعلمناه في المدرسة. أما ما يقوله الواقع فهو: "لا زربة على صلاح"... "ما عنديش الوقت"... "اللي زربو ماتو"... "سير حتى الغد"... "وا خويا مع الوقت"... الوقت... وقت... وق... وق... واق... واق... واق... وااااااااا.....


أي وقت؟ وقتي أم وقتُهم؟ وقتي أم وقت الدار البيضاء؟


ـ اقطع ذاك الزبل يا وليدي الله يهديك!


ـ آش من زبل يا الحاجة؟


ـ الشراب يا وليدي....


ـ والله أنا لا أشرب يا أمي إلا حينما أعود إلى الدار البيضاء و...أنتِ تعرفين الوقت و... الزمان...و...


و... و... و... و...


و... وخلال مثل هذه اللقاءات ـ عن طريق أمي أو بواسطة ما تبقى من الأصدقاء حين أصادفهم هاتفيا ـ أشفي غليلي من حرقة البعد عن مدينتي وأبثها حنيني وما يعتريني صوبها من شوق لا يهدأ لهيبه إلا حينما تضمني بالقوة والفعل في الأحضان وترضعني مجددا من حليبها الذي يبعث النفَس الجديد والتجدد.


إنها، وأنا هنا، لا تأتيني، لا تزورني فقط، بل تنتابني، ثم تتملّكُني رويداً رويداً، وتكبُر فيَّ بالتدريج وتجتاحني كمحيطها الأطلسي المعربد الصاخب.


الموت حبّاً في الدار البيضاء حياةٌ جديدة، حياةٌ أخرى.


حبها حتى الموت حياة.


شاي الله يا البويضة! وااااااااااا البويضة فين مواليك آه؟ وااا كْوَيزة يا كْوَيزة هااااه! طَنْ طَرنْ زْطَقْ أطَقْ... طَنْ طَرنْ زْطَقْ أطَقْ...


تحين ساعة العودة إليها إذاً وتبدأ هجرة من نوع آخر، هجرة نحو الأعماق، هجرة نحو الذات، نحو ذاتي البيضاء، نحو داري البيضاء.


وأنا في طريقي إليها برّاً أو بحراً ثارة وثارة أخرى جوّاً أو عبر الخيال تبدو لي من بعيد كامرأة لها ألف وجه، امرأة يحلو لها أن تلعب دورالحاضنة التي تفيض حنانا، تدُسُّك في حِجرها بمحبة ناذرة و ترضعك حليب ثديها المتهدل الذي يتحول إلى شتى الأشكال تبعا للظروف والأحوال. وقد تتحول إلى غانية في مرقص ليلي تُلوِّح إليك بنهديها الشبيهين هذه المرة بوجه أرنب مشاكس يحلو له الاستفزاز، وهما يرقصان ويهتزان ويسحان إغراءاً وشبقا.


ما أن تمضي سويعات على لقاء الأحبة في البيت ومعانقتهم حتى تتملكني الرغبة في الخروج كي أجوب الفضاء الفسيح. أسلُك أزقة الحي الشعبي الذي تكدس سكانه عبر السنين حتى أصبح يبعث على الاختناق والغثيان. محملا بالذكريات أسير وأنا أبحث عن وجوه أليفة عرفتها، ولكنني لا أرى سوى وجوه شاخت وأصبحتْ مُمتَصّة صدئة بأسنان لفظت أنفاسها الأخيرة أو تكاد. أرى أطفالا تركتُ بعضهم رُضَّعا كبُروا وأصبحت لهم بنيات لاعبي الكرة المستطيلة بأقدام تشبه في حجمها قبرَ طفل مات في سن الرضاعة. آخرون تفرّخوا في غيابي وازداد بعضهم وهو يحكم قبضته على حبّة منع الحمل التي كانت ستجعل من وجوده عدَماً. أناس ذوو سحنات بدوية استوطنوا محيط المدينة، هربوا من قحط البادية وصهد الجفاف بكل معانيه. لا أثر للأصدقاء القدامى إلا قليلا. كثيرون هاجروا، تبددوا. غيروا المكان فارين بجلدهم نحو الخارج. ها ميركان، ها فرنسا، ها الطاليان، ها أرض الله الواسعة... أحس بالوحدة، بالقنوط وبالاغتراب وأنا في حضن وطني الدار البيضاء، وما أشده وأقساه من اغتراب. كالغريب أكمل السير في أحشاء الحيِّ، أعانق بعينيَّ الناس والأمكنة.


و في كل الأمكنة التي تشبهني أرى الدار البيضاء تُرضع أطفالها جوعاً وجَعاً فقراً وبطالة... لذلك منهم من هاجر، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من أصابه مسٌّ من الجنون، ومنهم من تحول إلى متسكع أو لوطيّ يتصيد السائحين شيباً وشبابا، ومنهم من لازال ينتظر...


يتملكني الألم ويوجعني ذوو القربى... و...


وتجتاحني الرغبة فجأة في العودة إلى "ليون"، أحن إليها. تكتسحني رغبة عارمة في العودة إليها هربا من سادية بعضٍ من هؤلاء القوم، سادية أحس بها تستهلكني بلذة مَرَضية. لا أستطيع المقاومة كثيرا. أهرب، أنجو بجلدي.


ما أن تطأ قدماي أرضية مطار المدينة الشقراء حتى ألتفت نحو الجنوب، فأرى الدار البيضاء تلَوِّح لي بيمناها وعيناها مبللتان بالدموع:


ـ أحبك ياااااا المصيطِفى!


ـ أنا أيضا أحبك يااااا البْوَيضة. سامحيني.... سأعود... سامحيني... سأ... سَ... سُ... سِ... سٌ...


أغمض عينيَّ بقوة حتى لا يهطل منهما شيءٌ يشبه الدمع.



(يتبع)


*

22 janv. 2012

Le faucon

من ديوانه: الجبل ليس عقلانيا


(Texte du poète marocain Mohammed ESSABER, traduit par M. ABBA)

Ici, depuis sa naissance, un faucon soigne ses souffrances à l’aide de bouts de ténèbres, colmate leurs brèches avec de la térébenthine gluante. Un faucon doué en matière de pleurs et de recherche de larmes salées, faisant tout cela avec son vieux bec, éprouvant avidité pour la soif, soif pour l’avidité. Ni les cavernes qui, sanglotant, invoquent l’Histoire, ne le rassasient, ni les chroniques flétries à force de l’âge. A l’aide de son imagination il remplit les fissures des mûrs des désastres que subirent les bergers pendant l’hiver précédent. Son temps est vanité, mais il lui est une douleur qu’il étouffe dans le café, lequel est sa seule voix. Il lui est un sanglot qui ressemble presque à l’odeur du pain ; un sanglot luisant telle l’eau qui trempe les filets des pêcheurs. Il est éternellement perdu entre garder le silence ou adopter des rites, autres que les rites maculées. Tout comme les arbres il lui est, éternellement, des croyances nombreuses, des croyances élancées, semblables aux palmiers. « Rafistole-moi, ô Tisserand des univers! ». Ainsi ses ailes battent-elles quand il se pose, la nuit, sur une pierre isolée, psalmodiant, en solitaire, tel un poète. Il lui est des lois qui terrifient les hiboux qui poussent leurs ululements dans les prairies, appelant la nuit au rassemblement. Il aime l’allure de l’albatros, l’allure qui ressemble le plus à un muwashshah, poème ornée, entre les couvertures d’un livre ancien. Eveillé, depuis son premier cri il n’a connu le sommeil. Ses larmes sont tellement abondantes qu’il renonce à pleurer. On dit qu’il s’isola durant de longues années, observant la nature des tristesses et, une fois les entrailles de celles-ci taries, il se transformait en un rai de lumière qui dispersait l’odeur du bois en début de journée.

6 nov. 2011

هل أنا أنا؟



في فضاءٍ سدَاه السَّوَادُ، تتناثر في أرجائه غيومٌ لوْنُها مزيج من الأخضر والأزرق القاتمين، بعينيَّ الداخليتين أراني أُحلِّق، أسّاقَط، أدور كما تشتهي الدوامة التي تتملكني. أتهاوى بلا هوادة داخل هذا الفراغ السحيق، أتأرجح في هذا الفضاء الذي لا قعر له، لا أبعاد له... لا...

أنا الآن فريسةٌ لرعب قاتل.

قلبي داخل قفصي الصدري يرتعش، يرتج مُحْدثاً زلزالا يسحق دواخلي. قاب قوسين أو أدنى من الاختناق أنفاسي. أُصارع، أُعارِك، أَتصَارع، أحاول أن أنهض لكي أكبُر أكثر، لكي أكبر من جديد، لكي أرتفع عالياً عالياً فوق كل ما يعتريني، فوق ما أنا هو الآن. أحاول أن أتحوَّل إلى آخَرَ غير الذي أنا، آخَر أشدّ قوة من الذي أنا هو الآن. تمتد دراعاي كما لو لِطَلب النجدة، بحثاً عن ثغرة أو مَنفذ لملاقاة الحياة، الحياة كما هي، الحياة العادية، الحياة كما أعرفها منذ الأبد.

أراني أصرخ، أصيح بلا صوت. لا أحد يسمعني. لا أرى كائنا يمد لي يدا لكي يعتقني. أراني في وضعيتي الجنينية أُنضْنِض، أتحرك، أنتفض كأنْ لأُرعِب الكائنات اللامرئية التي تؤذيني بسادية غريبة وهي تملأ هذا الفراغ، هذا الفراغ الذي يبتلعني ويمتد في التوسع مزيداً مزيداً ويكبُر خارج الحدود.

بعينيَّ الداخليتين أراني، أُحسُّني وحيداً في مواجهة هذا الاختناق الذي يداهم أنفاسي.

ممدَّدا على الظهر أراني، أُحسُّني ميّاداً، متأرجحاً، مُحَلقاً ببطء في اللامكان حيث قوة غريبة تسحبني نحو الأسفل، نحو القاع العميق. أراني أتهاوى كما في عرضٍ بالتصوير البطيء. ألامس القعر ببطء شديد. أحُط بهدوء فوق ورقة شجرةٍ لم يكن لها وجود من قبل في هذه الأمكنة. هي شجرة تينٍ كثيفة الفروع والأوراق، حنونة، وديعة ومضيافة. لها جِذعُ وقوامُ شجرةِ أوكاليبتوس عرفتُها ذات يوم من أيام طفولتي الغابرة التي كفَّت عن أن تكون. أوراقها وارفة وافرة واسعة الأرجاء، ممتدة بسخاء أكثر من حاتمي، تنضح برقةِ وحنُوِّ فردوسيين. ثمارها لها حجمٌ أكبر مما هي عليه عادة، ثمار تينٍ لكنْ من لحم آدمي، تسحّ بسائل ناصع البياض كحليب الأمومة. تتخذ الورقة التي تأويني أبعادا لا حدود لها، تلفُّني، تحتضنني، تدسني في صدرها كما يفعل الغنقر، تدثرني بحنان ناذر. أحس بدفءٍ يبعث الطمأنينة والأمان في نفسي. هل أنا أحيا من جديد أو أولَد للمرة الأولى ؟ يجوز. لا يجوز. هل كل شيء جائز؟

أتلذذ بطعم طمأنينة طالما افتقدتها، لكنها مع ذلك ممزوجة بالريبة والشكوك. هل تَمّ أخيراً إنقاذي؟ هل سألاقي الحياة؟ هل... ؟

دون أن أفتح عينيّ أراني أَكبُر رويداً رويداً. لم أَعُد ذلك الشيء الصغير التافه الشِّبْه ميكروسكوبي الذي كان يسّاقط في الهاوية المعتمة التي لا قعر لها. أبتعدُ عنِّي لكي أتبيَّنني وأراني بشكل جيد، لكي أرى ملياً ما حَلّ بي.

أراني: أنا كائن بشريّ ـ هذا أكيد ـ، كائن صغير جدّاً، جدّ صغير. كيف حصل وأن أصبح لي جسدُ رضيعٍ حديث العهد بالولادة؟

الرضيع الذي أنا هو نبتت له لحية كثة، لحية طويلة وخَطَها الشيب عن آخرها، لحية بَطْريق مُسِنّ تمتد حتى تلامس صدري... رضيع بلحية شيخ وقور! ذاك أنا في هذه اللحظة. شعر رأسي أبيض وكثيف يتدلّى على كتفيَّ...

وأنا مُرتَدٍ حلة آدم أراني ممدا في حِجْر شجرة خِلاسية تنضح بمزيج من عَبق الحناء والقرنفل. أوراقها تداعبني وتهدهدني كما تشتهي ريح خريفية تهب برقة. أتبيَّن أنَّ غصنين كثيفي الأوراق ليسا في الحقيقة غير ذراعين آدميين يحملانني ويضمانني. لا يلبث أحدهما أن يلقفني ثدياً وديعا لأرضع محتواه الدافئ. يداي الصغيرتان المرتعشتان تمسكانه بحرص شديد. أشرب رحيق الحياة العذب، أحس بها تسري في جسدي. أرفع عيني صوب الشجرة التي تغديني وتطعمني حليبها فأتبين أن لها وجها. هو وجه أليف لديّ. تبتسم لي الشجرة وتستقبلني تقاسيم وجهها بحبور كما لو كنتُ خارجاً للتوّ من سبات طال أمده أو من غيبوبة عميقة، كما لو أنني وُلدتُ اللحظةَ وغادرتُ الرحمَ المظلم. أحس بأنفاسها تلفح وجه الرضيع الشيخ الذي أنا هو وتبعث فيَّ الدفء والانتعاش. أيْ نَعم، إنها هيّ! أمِّي! أستنشق رائحتها الطبيعية الممزوجة بعبق الحناء والقرنفل... أنتفض، أستيقظ أكثر لكي أعانقها كما يجب، كما أشتهي.

أستيقظ أنا.

تختفي هيّ.

يغشاني الظلام من جديد. أتمدد على ظهري. تكتسحني وحدة أليمة، وحدة أشد قساوة من وحدة اليتيم. تسري فيّ برودة تُجمِّد كل جسدي الجاثم في اللامكان. كل شيء من حولي في حركة إلا أنا. الحياة من حولي تدب في كل شيء إلا فيَّ أنا. هل غادرتني أم أنا الذي غادرها؟ هل نبذتني على أقصى هامش من هوامشها ومضتْ بلا بي؟... Va savoir !. أحاول أن أنهض. لا فائدة. كل أطرافي جامدة كالجليد. جسدي لم يعد لي. هل هو الآن جسد أم جثمان؟ أم كلاهما معا؟ هل... ها الليل يمر ببطء شديد ومعه أشباحه السوداء. يبدأ نور الفجر في التسلل شيئاً فشيئاً عبر زجاج النافذة. أكيد أن خيوط شمس الصباح ستبعث فيّ دفئاً جديدا وحياة أخرى. أنتظر. لا أملك إلا الانتظار. لننتظر وسوف نرى... سأرى... سأ...

أراني أسمع صخب العالم الخارجي الذي بدأ يعلن عن نفسه رويداً رويداً بعد اندحار الليل. هل اندحر الليل أم المندحر أنا؟...

صخَبُ الأيام العادية بدأ يطفو بالتدريج. أسمع صوت محرك الحافلة رقم 69 في رحلتها الصباحية الأولى نحو جامعة "ليون 3". سيارات بعض سكان الحيّ تستيقظ محركاتُها بعد استراحة ليلية. المصعد الكهربائي كعادته يطلق أزيزا وصريرا مستفزان كلما مر ـ صعوداً أو نزولاً ـ بالطابق الذي أسكنه. "ديك"، كلب "إيميلي" جارتي العجوز، ينبح طلبا للخروج في نزهته اليومية كل صباح... هدير القطار شديد السرعة يترامى حتى إلى داخل الغرفة مما يدل على أن نافذتها غير مغلفة بالكامل...

بعد قليل قد تدق "إيميلي" جرس بيتي حاملة حلوى للصغار كما تفعل عادة وتشاطرني قهوة الصباح دون أن تكف عن الثرثرة. وكفاصل بين موضوع وآخر لا تفتأ أن تستحضر المرحوم زوجها لتنشد بصوت ممزوج بالحزن والحنين مقطعها المعهود من أغنية جاك بريل "وداعاً إيميل... كنتُ أحبك كثيراً... وداعاً إيميل... سأموت... قاسٍ هو الموت في فصل الربيع...؟". بعد قليل أشياء كثيرة يمكن أن تحدث. بعد قليل سأسمع صوت ولدي سامي الذي سيستيقظ من نومه في الغرفة المجاورة. لحظات بعد ذلك ستليه سامية ابنتي المشاغبة، وسيبدآن نزقهما اليومي في حضرة بابا المسالم دوما. لكنني لن أسمع صوت أميرة ـ الغائبة الكبرى ـ ولن أتذوق طعم قبلتها الصباحية التي لها نكهة ومفعول الترياق.

هل سيمر كل شيء كما في السابق؟ كم أريد أن أعرف وأدريَ وأنْ و...!

ممدَّداً أرى بعيني الداخليتين سَامي يحبو، يقف، يسير بضع خطوات ثم يسقط أرضاً. يتحدى، يعاند ويعاود الوقوف من جديد حتى يصل إلى جانب السرير الذي أجثم فيه. بعد جهد ومكابرة يصعد بقربي وكله نشوة وفرح لاحدود لهما. يستوي على بطني كما حدث أن فعلنا مرارا في لحظات اللهو والمرح. يتخذ وضع من يمتطي صهوة جواده المفضل. يأخذ في ممارسة شغبه كالعادة في مثل هذه الحالات مردداً: "پَّاه پَّاه... ضاگن ضاگن... پَّاه پَّاه... ضاگن ضاگن ". تمتد يداه لتداعبا وجهي، يُدخل أصبعه في أنفي ويقهقه، يحاول أن ينتزع إحدى عينيّ من محجرها. يضحك بحبور ثم ينظر إلى تقاسيم وجهي باستغراب كمن يكتشف أشياء يصادفها للمرة الأولى. يجهد نفسه في فتح فمي لكي أعض على أصبعه بلطف كما فعلنا مرارا. فمي مغلق بإحكام وأنا نفسي لا أستطيع فتحَه. يَعدل عن الفكرة ويأخذ في النظر إليَّ باستغراب وتساؤل. صمتي وسكوني يثيران خيبته ثم غضبه. يغادر السرير، يحبو مسافة خطوات ثم يجلس ملتفتا نحوي. ينظر إليَّ من جديد معاتبا قبل أن يأخذ في البكاء والصراخ. يقاطعه رنين هاتفي المحمول فوق طاولة السرير على مقربة مني. يحاول أن يصل إليه والفضول يغمره. سامية التي استيقظت تغادر غرفتها وتهرول نحوي: "بابا... تيليفونك! بابا... بابا... استيقظ". تطبع على شفتيّ قبلة الصباح الطقوسية. تتقزز بسبب البرودة التي تنبعث من جسدي. تتناول الهاتف وتضغط على الأزرار. تخبطه في النهاية على الأرض فتتوزع أوصاله هنا وهناك ويكف عن الرنين.

"ديك"، كلب جارتي، ينبح بشكل غريب، نباحه متقطع وحزين، يشبه العواء، أسمعه على مقربة من الباب. أسمع جارتي تسائله عما حصل له مستغربة سلوكه. تدق جرس البيت، تنقر على الباب، تناديني باسمي... صوت سامية وسامي يعلوان بالصراخ. كلاهما يريد تناول فطوره... هي: "بابا... je veux du jus "... هو: "مَمَّهْ... مَمّه... ممَّه...". أنا لا أستطيع حراكا. صراخهما يزداد حدة عندما يأخذ "ديك" في خبط باب الشقة برأسه بشكل هستيري... بعد برهة أسمع أصواتا أخرى تنضاف إلى نباح/عواء هذا الحيوان وصوت "إيميلي". مزيج من الأصوات. أسمع الباب وهو يكسر. الأصوات تصبح أكثر قربا مني... خليط من رجال الإنقاذ ورجال الشرطة... يجس أحدهم نبضي، تمتد يده نحو دراعي اليمنى، ترفعها قليلا فتتساقط كورقة في مهب الريح. تمتد يدٌ أخرى لتغمض عينيَّ فينسدل عليهما ستار قاتم... "متى أسْلَم النفس؟"... "وحده الطبيب الشرعي يمكنه الجزم بذلك"... "يجب نقله إلى مركز الطب الشرعي..."...

يتوجهون لجارتي بالأسئلة وهي تحمل طفليَّ بين دراعيها وتبكي... "كان محمّد رائعا... (تجهش)... مسكين! لم يتحمل مرض ابنته الكبرى ذات السبع سنوات ونصف... هي الآن تعالَج في المستشفى وأمُّها بجوارها... إنها فخرُه وكل شيء في حياته ... هو أنجبها وهي أعطته الحياة، هكذا كان يقول لي دائما! ... كنت أحس بأنه لن يتحمل الأمر رغم العقاقير... كانت الصدمة قاسية على قلبه الهش... مسكين... مسكين... فعلتُ حسنا أن اتصلت بكم... ولكن بعد فوات الأوان... كم كان لطيفاً محمّد!".

أراني "أغادر" البيت رغما عني. لم يسألوني عن رأيي في ذلك. قرروا بأنني جثمان ولست جسدا.

أَصرُخ: "لا. أنا أريد أن أبقى هنا في بيتي. أنا حيُّ أرزق. اسألوا سامي، اسألوا سامية... اخرجوا من هنا... دعوني!".

لا صوت لي يُسمَع. لا صوت لي البتة.

أَخرُج محمولاً من هنا.

أَخرُج إلى الأبد رغم أنني لم أمُت بعد.

هل أنا أنا أم أنا آخَر؟